ابن بطوطة
45
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وكان السلطان أبو إسحاق طمح ذات مرّة إلى بناء إيوان كإيوان كسرى « 144 » ، وأمر أهل شيراز أن يتولّوا حفر أساسه فأخذوا في ذلك وكان أهل كلّ صناعة يباهون كلّ من عداهم فانتهوا في المباهاة إلى أن صنعوا القفاف لنقل التراب من الجلد ، وكسوها ثياب الحرير المزركش وفعلوا نحو ذلك في برادع الدوّاب وأخراجها وصنع بعضهم الفؤوس من الفضّة ، وأوقدوا الشمع الكثير وكانوا حين الحفر يلبسون أجمل ثيابهم ويربطون فوط الحرير على أوساطهم ، والسلطان يشاهد أفعالهم في منظرة له ، وقد شاهدت هذا المبنى وقد ارتفع عن الأرض نحو ثلاثة أذرع ، ولمّا بني أساسه رفع عن أهل المدينة التخديم فيه وصارت الفعلة تخدم فيه بالأجرة ، ويحشر لذلك آلاف منهم وسمعت والي المدينة يقول : إن معظم مجباها ينفق في ذلك البناء ، وقد كان الموكّل به الأمير جلال الدين بن الفلكي التّوريزي ، وهو من الكبار ، كان أبوه نائبا عن وزير السلطان أبي سعيد المسمّى علي شاه جيلان « 145 » ، ولهذا الأمير جلال الدين الفلكي أخ فاضل اسمه هبة الله ويلقّب بهاء الملك ، وفد على ملك الهند حين وفودي عليه ، ووفد معنا شرف الملك أمير بخت فخلع ملك الهند علينا جميعا ، وقدّم كل واحد في شغل يليق به ، وعيّن لنا المرتّب والاحسان ، وسندكر ذلك ، وهذا السلطان أبو إسحاق يريد التشبّه بملك الهند المذكور في الإيثار واجزال العطايا ، ولكن اين الثريّا من الثرى ! وأعظم ما تعرّفناه من عطيّات أبي إسحاق أنه اعطى الشيخ زادة الخراساني الذي أتاه رسولا عن ملك هرات سبعين ألف دينار وأمّا ملك الهند فلم يزل يعطي أضعاف ذلك لمن لا يحصى كثرة من أهل خراسان وغيرهم . حكاية [ ملك الهند وكرمه ] ومن عجيب فعل ملك الهند مع الخراسانيّين أنّه قدم عليه رجل من فقهاء خراسان هروى الدار من سكّان خوارزم يسمّى بالأمير عبد الله بعثته الخاتون ترابك زوج الأمير قطلو دمور صاحب خوارزم بهدية إلى ملك الهند « 146 » المذكور فقبلها وكافى عنها بأضعافها وبعث
--> ( 144 ) إيوان كسرى اسم يطلق اليوم على أطلال سلمان باك التي توجد على مقربة من بغداد وقد كان هناك القصر العظيم الذي بناه الساسانيون في سطسيفون CTESIPHON وهذه معلومات في منتهى الطرافة والأهمية يقدمها لنا الرحالة المغربي عن ذلك المشروع العملاق الذي لو تمّ إنجازه لأصبح في عداد عجائب الدنيا . . . ( 145 ) التّوريزي : نسبة إلى توريز ، وهو التعبير الشعبي الذي يطلق على مدينة تبريز التي سيؤدى ابن بطوطة وصفا ممتعا لها ولأسواقها التي استمتعت بزيارتها عام 1996 - الهروي : كتاب الزيارات ، ص 75 / 79 هذا وينبغي أن نقف هنا مع تعبير " الشيخ زاده " الذي يعني " ولد الشيخ " . ( 146 ) سيأتي الحديث عن قطلو دمور وزوجته ترابك في آخر هذا السفر الأول . . .